محمد جمال الدين القاسمي
414
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
خمرا وزيتا للأنبياء عليهم السلام . وإذا جوزوا مثل هذا فيجوز إلقاء الشبه من غير استحالة . على أن عيسى عليه السلام قد خولفت عادة اللّه تعالى الأغلبية في خلقه من ماء واحد . ونفخ جبريل في جيب مريم . فجعل شبهه على غيره ليس بأبعد من العادة ، من خلقه . على أن إحياءه للموتى وإبراءه للأبرص والأكمه أعظم من إلقاء شبهه على غيره . على أن عروجه إلى السماء بناسوته وخرق السماء والتئامها ، ليس بأهون من ذلك . على أن رد الشمس ليوشع بن نون ، ومشي عيسى وحواريّه على الماء ، وسائر معجزات أنبياء بني إسرائيل ، ليس بأهون مما هنالك . وإذا صح عند النصارى انقلاب الخبز إلى جسد المسيح ، والخمر إلى دمه في العشاء السرّي ، لم لا يمكن أن يوقع شبهه على أحدهم ؟ كما لا يخفى . وثانيها - أن الإنجيل ناطق بأن المسيح عليه السلام نشأ بين ظهراني اليهود . وحضر مرارا عديدة في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم . يعظهم ويعلمهم ويناظرهم . ويتعجبون من براعته وكثرة تحصيله . حتى إنهم ( كما في الإنجيل ) يقولون : أليس هذا ابن يوسف ؟ أليست أمه مريم ؟ أليس إخوته عندنا ؟ فمن أين له هذه الحكمة ؟ وإذا ، كان في غاية الشهرة والمعرفة عندهم . وقد نص الإنجيل على أنهم عند إرادة الصلب لم يحققوه ، حتى دفعوا لتلميذه ثلاثين درهما ليدلهم عليه . فما حاجتهم حينئذ أن يكتروا رجلا من تلاميذه ليعرفهم شخصه ؟ لولا وقوع الشبه الذي نقول به . وثالثها - أنه كما تقدم في الأناجيل ، أخذ في حندس من الليل المظلم في حالة شوّهت صورته وغيّرت محاسنه وهيئته ، بالضرب والسحب وأنواع النكال الموجبة لتغير الحال . ومثل ذلك يوجب اللبس بين الشيء وخلافه . فكيف بين الشيء وشبهه ؟ حتى إن رئيس الكهنة عند إحضاره أقسم عليه هل هو يسوع المسيح ابن اللّه ؟ فلم يجبه . ولو كان هو لأجابه . فمن أين للنصارى واليهود القطع بأن المصلوب هو عين عيسى عليه السلام دون شبهه ؟ بل إنما يحصل الظن والتخمين كما قال تعالى في كتابه المبين : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . رابعها - قد تقدم في الأناجيل أنه لما جاء اليهود إلى محله خرج إليهم وقال : من تريدون ؟ قالوا : يسوع . وقد خفى شخصه عليهم . ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون صورته . وهذا دليل الشبهة ، ورفع عيسى عليه السلام . ولا سيما وقد نقل غير واحد من العلماء عن بعض النصارى القول بأن المسيح عليه السلام كان قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة . خامسها - قول متى في ( الفصل الخامس والعشرين ) من ( إنجيله ) ما لفظه :